محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
140
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : أنّ المعاني تتشخّص بالأقوال والأفعال ، كما أنّ الروحانيات تتشخّص بالأشباح والأجساد ؛ وكما أنّ الروحاني يتمثّل بشرا سويّا ، كذلك الدعاء والثناء والحمد تمثّلت صلاة بأركانها وأبعاضها وهيئاتها ؛ فهي في حيّز المعاني معنى واحد ، وفي حيّز الصور والأشكال أقوال وأفعال على هيئات مخصوصة ؛ فالمعاني توجد في الكتاب ، والصور توجد من السنّة ؛ ولو قيل : « إنّ الإيمان بالغيب من المعاني ، ومظهره الصلاة والزكاة ؛ فلا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لم يؤدّ الزكاة » كان ذلك صحيحا ؛ وهو وجه النظم بين الكلمات . قوله - جلّ وعزّ - : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . الرّزق « 1 » : اسم ولا يوضع موضع المصدر ؛ والرّزق بالفتح المصدر ؛ وأصله في اللغة الحظّ ( 56 ب ) والنصيب ، كما قال تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي حظّكم ونصيبكم تكذيبكم ؛ والرزق : العطاء قال اللّه تعالى : وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * أي أفضل المعطين ؛ وقيل : إنّ كلّ ما انتفع به المرء يسمّى رزقا ، حلالا كان أو حراما ؛ وقيل : كلّ ما ينتفع به من الحلال يسمّى رزقا ، والحرام لا يسمّى رزقا ؛ واللّه تعالى لا يمنّ بالحرام على العبد ؛ ولا يوجب الزكاة في الحرام ؛ والإنفاق أصله الإخراج إمّا عن اليد أو الملك ؛ والمنافق سمّي بذلك لخروجه ممّا ادّعاه من الإيمان ، ومنه النافقاء الذي يقابل القاصعاء ، وذلك مدخل الفأرة ومخرجها . قال أهل التفسير : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ « 2 » أي ملّكناهم وأعطيناهم ينفقون ، أي يتصدّقون ؛ قال ابن عبّاس : أراد به الزكاة ، وهو قول قتادة ؛ وقال الضحّاك أراد به التطوّع ؛ وقال غيره : هو عامّ في الفرض والنفل ، وقال السدّي : أراد به نفقة الرجل على عياله ، ويروى ذلك عن ابن مسعود ؛ لأنّ ذلك كان قبل فرض الزكاة ؛ وقال غيرهم : هو النفقة في سبيل اللّه . قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . * والأشبه أنّ ذلك عامّ في الكلّ . الأسرار ولا تغفل عن العموم والخصوص في الرزق ، كما في الرحمة والنعمة ؛ فإنّ من الأرزاق ما
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .